استئناف الحفريات الأثرية بالموقع الوسيطي لبليونش

استئناف الحفريات الأثرية بالموقع الوسيطي لبليونش

في إطار التعاون العلمي المغربي-الألماني الذي يجمع بين المعهد الوطني لعلوم الآثار والتراث، التابع لوزارة الشباب والثقافة والتواصل، والمعهد الألماني للآثار (DAI) بمدريد، تم تنظيم بعثة أولية بالموقع الوسيطي لبليونش خلال الفترة الممتدة من 28 إلى 31 يوليوز 2026، تحت الإشراف المشترك للأستاذة أسماء القاسمي (المعهد الوطني لعلوم الآثار والتراث) والأستاذ فيليكس أرنولد (المعهد الألماني للآثار). وقد مكنت هذه البعثة من إنجاز رفوعات طبوغرافية باستعمال تقنيات مختلفة للتوثيق، وذلك بغرض التحضير لحفريات أثرية يرتقب انطلاقها خلال شهر شتنبر 2026.

وتندرج هذه المبادرة العلمية الجديدة في امتداد للأبحاث السابقة، كما تشكل مناسبة للإشادة بالبرنامج الرائد الذي تم إنجازه بالموقع منذ سبعينيات القرن الماضي تحت إشراف الأستاذة جودية حصار بنسليمان، حيث أسهمت أعمالها التأسيسية بشكل كبير في إبراز الأهمية الاستثنائية لهذا الموقع ضمن المشهد الأثري المغربي.

يقع موقع بليونش بالساحل الشمالي المتوسطي للمغرب، على بعد 6 كيلومترات غرب مدينة سبتة، ويمتد على شكل مدرجات على مساحة تقارب 175 هكتارًا عند سفح جبل موسى. وقد ورد ذكره منذ القرن الثامن الميلادي بفضل مينائه المعروف بـ«مرسى موسى»، الذي شكل نقطة استراتيجية مهمة للحملات العسكرية المتجهة نحو الأندلس. وبلغ الموقع أوجه خلال العصرين الموحدي والمريني، حيث أصبح مرسى بحريًا أساسيًا ومحطة بحرية مهمة، كما شكل المجال الخلفي الممون لمدينة سبتة، لما اشتهر به من وفرة موارده المائية، ومدرجاته الزراعية، وتراثه المعماري المتميز. وقد تجسدت هذه العلاقة الوثيقة بشكل خاص خلال سنتي 1184-1185، عندما أمر الخليفة أبو يعقوب يوسف بتهيئة النظام المائي لبليونش قصد إيصال المياه إلى مدينة سبتة. وفي بداية القرن الرابع عشر الميلادي، ووفقًا للمؤرخ الأنصاري السبتي، كانت التجمعات السكنية بالموقع تضم 24 ضيعة، و19 مسجدًا، و16 فرنًا، ومستودعات على الشاطئ، وعدة أبراج محصنة.

وستركز الأشغال المرتقبة على التوثيق المنهجي للبقايا الأثرية الظاهرة، وكذا فتح قطاعات جديدة للتنقيب، بهدف تجديد الفهم التاريخي لهذه الفضاءات الساحلية والاستجمامية خلال الفترة الوسيطية. كما ستنصب الأبحاث على دراسة العمارة السكنية، والحدائق، والاستغلالات الفلاحية، والحمامات، إضافة إلى شبكات تدبير المياه، ولا سيما النظام المعقد للسواقي والمساكن الأميرية من نوع «المنية». وستعتمد مختلف هذه الأعمال على مقاربة متعددة التخصصات، وعلى أحدث التقنيات في مجال التحليل والتوثيق المجالي.